التطوّع تربية: ما الذي يصنعه العمل الخيري في صاحبه؟

قبل أن ينفع المتطوّعُ غيره، هو ينضج ويتزكّى؛ قراءة في الأثر العكسي للعطاء.

الصورة الرمزية لـ هيئة التحرير

·

دقيقتا قراءة

لوحة طباعية: كلمة «تَرْبِيَة» بخط كوفي على أرضية ورقية

يذهب المتطوّع ليعطي، فيعود وقد أخذ أكثر ممّا أعطى. هذه ملاحظةٌ يكرّرها كلّ من خاض تجربة تطوّعٍ صادقة، وهي ليست مجاملةً لطيفة، بل وصفٌ دقيق لما يجري في النفس.

العمل يُغيّر عاملَه

النفس لا تتغيّر بالمواعظ وحدها، وإنما بالممارسة المتكررة. ومن هنا كان أمر الشرع بالعمل لا بالتمنّي؛ قال تعالى: «وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» — فجعل الفلاح معلّقاً بالفعل.

والمتطوّع حين يخدم، يتعلّم ثلاثة أشياء لا تُدرَّس في قاعة:

١ · تصحيح تقدير النِّعم

من رأى الحاجة بعينه لا يعود يقيس نعمته بنفس الميزان. وهذا وحده يكفي في تهذيب النفس عن التسخّط.

٢ · كسر الأنانية بالتمرين

تقديم حاجة الغير على راحتك فعلٌ شاقّ أول مرة، أهونُ في العاشرة، وطبعٌ في المائة. والأخلاق تُكتسب بالتكرار كما تُكتسب المهارات.

٣ · الانتماء العملي

من عمل لمجتمعه بيده صار له فيه نصيبٌ لا يُنتزع. والانتماء الذي يُبنى بالعمل أرسخ من الذي يُبنى بالخطاب.

أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْوَمُها وإنْ قَلَّ

متفق عليه — البخاري (٦٤٦٤)، مسلم (٧٨٣)

آفةٌ ينبغي الحذر منها

أن يتحوّل التطوّع إلى حملاتٍ موسمية مشتعلة ثم خامدة. والحديث المتقدّم يضع القاعدة بوضوح: الدوام مقدَّمٌ على الكثرة. ساعةٌ ثابتة كلّ أسبوع أنفع للمجتمع وأبقى لصاحبها من يومٍ حافلٍ مرةً في السنة.

وآفةٌ أخرى: أن يُطلب من التطوّع ما لا يُطلب من العمل المحترف، فيُستنزف المتطوّع حتى ينفر. وحفظ المتطوّع من واجب الجهة التي تستقبله.

ابدأ صغيراً وابقَ

لا تنتظر الفراغ الكبير ولا المشروع الضخم. اختر باباً واحداً يناسب وقتك ومهارتك، والتزمه. فالذي يبني الإنسان ليس حجم العمل، بل استمراره عليه.

انشر الخير — دلّ غيرك عليه


الصورة الرمزية لـ هيئة التحرير
عن الكاتب