كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَة: فقه الخير الصغير

كيف وسّعت السنّة مفهوم الصدقة حتى شملت الكلمة الطيبة والإصلاح بين الناس وإماطة الأذى.

الصورة الرمزية لـ هيئة التحرير

·

دقيقتا قراءة

لوحة طباعية: كلمة «مَعْرُوف» بخط كوفي على أرضية ورقية

حين نسمع كلمة «الخير» يسبق إلى الذهن مشهدٌ واحد: يدٌ تمتدّ بمالٍ إلى محتاج. وهذا خيرٌ عظيم لا شكّ فيه، لكنه بابٌ واحد من أبوابٍ كثيرة تركها الشرع مفتوحة، حتى لا يُحرم من الأجر من لا مال له.

حديثٌ يوسّع المعنى

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كلُّ سُلامى من الناس عليه صدقةٌ كلَّ يومٍ تطلُعُ فيه الشمس: تَعدِلُ بين اثنين صدقة، وتُعينُ الرجلَ في دابّته فتحمِلُه عليها أو ترفعُ له عليها متاعَه صدقة، والكلمةُ الطيبةُ صدقة، وبكلِّ خطوةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتُميطُ الأذى عن الطريق صدقة».

متفق عليه — رواه البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩).

تأمّل في تنوّع ما عدّه الحديث صدقة: إصلاحٌ بين متخاصمَين، وعونٌ بدني على حَمْلٍ ثقيل، وكلمةٌ تُقال، وخطوةٌ تُمشى، وأذىً يُزاح. ليس في القائمة درهمٌ واحد. وهذا مقصود؛ لأن المراد أن يعلم المسلم أن يومه كلّه قابلٌ لأن يتحوّل إلى عبادة.

ثلاثة أبواب يسهل إغفالها

١ · الإصلاح بين اثنين

قدّمه الحديث على غيره. ومعناه أن تسعى بين متخاصمين حتى تُطفئ بينهما ناراً قبل أن تتّسع. وهو عملٌ شاقّ على النفس، يحتاج صبراً وكتماناً للسرّ، ولهذا عظُم أجره.

٢ · الكلمة الطيبة

أرخص الخير ثمناً وأغلاه أثراً. كلمةُ ثناءٍ صادق، أو دعاءٍ بظهر الغيب، أو تثبيتٍ لمنكسر، قد تُغيّر اتجاه يومٍ كامل في حياة إنسان. ولا تكلّفك شيئاً سوى أن تنتبه.

٣ · إماطة الأذى

جعلها النبي ﷺ أدنى شُعب الإيمان، في قوله: «الإيمانُ بضعٌ وسبعون — أو بضعٌ وستون — شعبة، فأفضلها قولُ لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان». متفق عليه — البخاري (٩)، ومسلم (٣٥).

و«أدناها» هنا ليست تهويناً، بل إشارة إلى أنها أيسرها تناولاً. فحتى أصغر شُعب الإيمان لها موضعٌ في البناء.

كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ

متفق عليه — البخاري (٦٠٢١)، مسلم (١٠٠٥)

ما الذي يتغيّر حين تتّسع الصورة؟

حين يحصر الإنسان الخير في المال، يصير العطاء موسمياً: يرتبط براتبٍ أو برمضان أو بحملة. وحين يتّسع المعنى، يصير الخير حالةً يومية لا تنقطع، ويدخل في عمل الموظف مع زملائه، وفي تعامل السائق على الطريق، وفي كلام الأب مع ابنه.

وهنا يتحقق وعد الآية: «وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» — فالأمر جاء بـ«الخير» مطلقاً غير مقيَّد، لأن أبوابه أوسع من أن تُحصى.

انشر الخير — دلّ غيرك عليه


الصورة الرمزية لـ هيئة التحرير
عن الكاتب